أحمد مصطفى المراغي
22
تفسير المراغي
( وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ) كالذين أرسلوا إلى الأمم المجهول تاريخها عند قومك وعند أهل الكتاب المجاورين لبلادك كالصين واليابان والهند وأوروبا وأمريقا . وإنما لم يقص اللّه علينا خبرهم لأن القصد من القصص العبرة والتثبيت والذكرى والاحتجاج على نبوته صلى اللّه عليه وسلم كما أشار إلى ذلك في قوله تعالى : « لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ » وقوله : « وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ » وكل هذا يثبت بذكر من قصهم اللّه علينا من الرسل ، وعلينا أن نعلم أن اللّه أرسل رسلا في كل الأمم فكانت رحمته بهم عامة لا مختصة بشعب معين كما يزعم أهل الكتاب ، يرشد إلى ذلك قوله تعالى : « وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ » وقوله : « وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ » وهذه حقيقة دل عليها الدين السماوىّ ولم يكن يعلمها أهل الكتاب الذين يزعمون أن القرآن مقتبس من كتبهم ، وكم فيه من حقائق جلّاها للناظرين بجميل بيانه ، واهتدى العلم الصحيح بعد قرون خلت إلى معرفتها ، وما كان العقل وحده يكشف عنها لولا أن هدى إليها الكتاب الكريم . ( وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً ) خاصا له ميزه عن غيره من ضروب الوحي العام لأولئك النبيين ، وليس لنا أن نخوض في معرفة حقيقته ، لأنا لم نكن من أهله ، على أنا لا نعرف حقيقة كلام بعضنا بعضا ، وكيف تحمل ذرّات الهواء الأصوات إلى الآذان فضلا عن أن نعرف حقيقة كلام الباري . والوحي إلى الأنبياء يسمى تكليما ، والتكليم لهم يسمى وحيا كما قال تعالى : « وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ » . والحكمة في الحجاب الاستعداد بالتوجه إلى شئ واحد تتحد فيه هموم النفس وأهواؤها المتفرقة كما كان شأن موسى إذ رأى النار في الشجرة